منير سلطان

252

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وقد انشغل الباقلاني بالجانب الفلسفي من قضية الاعجاز فشرح رأى الأشاعرة في القضايا المختلفة وبخاصة تلك التي يخالف الأشاعرة فيها أساتذتهم المعتزلة - حين قالوا بخلق القرآن وبأن اللّه تعالى لا يرى يوم القيامة وبأن الإنسان خالق لأفعاله مسؤول عنها مسؤولية كاملة وأن العقل هو المسيطر على تحرك الكائنات وبه يحاسبون وعليه يكافئون . وفي الفصل الثاني من الباب الثاني تكلمت عن الجرجاني - وإذا كان الجرجاني لم يسترسل في الجانب الفلسفي استرسال الباقلاني فإنه قد أفرغ جهدا جيدا في الجانب البلاغي من القضية وكان ذلك في كتابه دلائل الإعجاز خاصة ويكمله كتابه أسرار البلاغة . ويرى الجرجاني أن إعجاز القرآن يرجع إلى نظمه وذلك النظم عبارة عن توخى معاني النحو - وحين يقرر عبد القاهر نظريته في النظم نراه يعتمد على جانبين كبيرين هما الجانب العقلي - أي اثبات إعجاز نظم القرآن عقليا ثم الجانب النفسي أي مخاطبة نفسية القارئ واحساساته ونزوعه إلى تلمس الجمال فيصحبه الجرجاني عن طريق العقل والنفس إلى كشف اعجاز القرآن . وقد أشرنا أن لنظريته بذورا سلفية ، فهي ليست من مبتكرات الجرجاني بل أكثر من ذلك أنه قد استفاد فيها مما ظهر في الدرس المعتزلي من رأى المدرسة الجبائية الذي قررته على يد أبى على وصاغته على أبى هاشم ونقحته على يد القاضي عبد الجبار . ولكن هذا لا ينفى ، أن للجرجاني أثرا وامتيازا في معالجة إعجاز القرآن ، وفضلا على البلاغة العربية لا ينكرهما باحث جاد . وفي الباب الثالث ، الذي انقسم إلى ثلاثة فصول وهو بعنوان بين المعتزلة والأشاعرة تكلمت في الفصل الأول منه عن الزمخشري الذي جمع بين المدرستين ( معتزلة وأشعرية ) ثم انتقلت في الفصل الثاني إلى الحديث عن ثلاث شخصيات وهم ابن حزم الظاهري والرازي الأشعري والسكاكى المعتزلي ، وكان لا مفر من التعرض لهم لما قدموه لقضية الإعجاز - برغم أنهم لم يقدموا الجديد ذا البال - بعد ما أمتعنا الجرجاني وسابقوه وأطربنا الزمخشري العظيم بما أضفى من جديد وما قدم من جهد في الإعجاز .